المخيمات الفلسطينية في لبنان بين مطرقة الفلتان الأمني ... وسندان الفقر والبؤس
شكل سكان مخيمات اللجوء في لبنان خزان وقود لإستمرار النضال الوطني الفلسطيني في مسيرة الثورة المعاصرة منذ انطلاقتها ،ورفدت فصائل العمل الوطني والإسلامي بعدد كبير من القادة والكوادر والمناضلين،فمنهم من استشهد ومنهم لا يزال على رأس عمله النضالي.
وتقدمت الصفوف الأمامية في التمسك والدفاع عن الهوية الوطنية الفلسطينية وعن منظمة التحرير،في اصعب وأعقد المحطات والمراحل، ولم تبخل أو تتردد يوما في العطاء والتضحية، فقدمت قافلة طويلة من الشهداء والجرحى والمعاقين في سبيل تحقيق اهداف الشعب الفلسطيني في العودة والتحرر والإستقلال، وكان لها شرف حضانة ورعاية المقاتلين المناضلين المنتميين للثورة من فلسطينيي الشتات والوطن وعرب وأجانب متضامنين مع القضية الوطنية الفلسطينية، ليزداد عدد سكان هذه المخيمات، وتزداد معها الأعباء والمعاناة،خصوصا بعد إنكفاء مقاتلي فصائل العمل الوطني الفلسطيني من القرى والمدن اللبنانية إلى داخل المخيمات ،على أثر ترجمة إتفاق الطائف الذي جمع كل الفرقاء اللبنانين المتحاربين، لوقف كل أعمال الإقتتال والتوافق على بسط سلطة الدولة الشرعية الوحيدة على كافة الأراضي اللبنانية وحل المليشيات المسلحة ودمجها في المؤسسات الأمنية الرسمية اللبنانية.
وبعيداً عن التعصب فإنني لا أُبالغ ان قلت ... إن لسكان المخيمات الفلسطينية في لبنان أيضاً فضل كبير بما تحقق من إنجازات على أرض الوطن،بقيام سلطة وطنية تُعنى بالقضايا السياسية والإجتماعية والإقتصادية والأمنية لشعبنا في الداخل.
إن هذا الزخم في العطاء والتضحية، وبالظروف المأساوية التي تعيشها جماهير هذه المخيمات،جعلها بمثابة القلب النابض والدرع الواقي لقضية اللاجئين الفلسطينين، وإحدى الشواهد الحية على التاريخ المليئ بالجرائم اللاأخلاقية واللاإنسانية للعدو الصهيوني الإسرائيلي التي ارتكبها ويرتكبها بحق الشعب الفلسطيني، وكانت أيضا ولا تزال وستبقى المقياس ألذي يبنى عليه أسس الحل العادل والشامل للصراع، مع العدو الإسرائيلي.
ولكنها اليوم تيعيش ظروفاً صعبة وواقعاً بائسا مريراً ،نتيجة لجملة من الأسباب أبرزها :- • القوانين العنصرية اللبنانية المتخذة بحقهم والتي تحرمهم من العمل باكثر من 74 مهنة ،إلى جانب القانون الذي يمنعهم من تملك حتى المسكن الذي يعيشون فيه.
• التقصير الفاضح لوكالة الغوث ( الإنروا ) بواجباتها ومسؤولياتها تجاه الفلسطينين في لبنان، من خلال الاستمرار في اتباع سياسة تقليص الخدمات الصحية – التربوية والإجتماعية ألخ... مما أدى إلى ازدياد حالة البؤس والفقر وانهيار كبير في البنية التحتية للمخيمات، ليحولها إلى واقع بيئي مشوه.
• غياب الآليات المفترضة للإستفادة من الإمكانيات والخدمات التي تقدمها منظمة التحرير الفلسطينية،والتي هي بالأصل قليلة لا تفي بالحد الأدنى لإحتياجات سكان المخيمات .
إن هذه الظروف الصعبة والمعقدة التي يعيشها سكان هذه المخيمات، لم تثن عزيمتها أو تكسر إرادتها،وبقيت قابضة على قضيتها(حق العودة) كالقابض على الجم، واستطاعت ان تصبر وتصابروتصمد وتواصل الكفاح متحدية كل اشكال القهر ومحاولات الشطب والتهجير والتوطين.
ولكن السؤوال الذي يطرح نفسه اليوم،هل الصبروالصمود والعض على الجراح، قدر يلازم سكان هذه المخيمات؟ وإذا كان كذلك فإلى متى ؟ والمشهد الدموي المؤلم يتكرر بين الحين والأخر ويتنقل بين المخيمات، بسبب الفلتان الأمني، الذي يذهب ضحيته جرحى أو قتلى في بعض الأحيان من ابنائنا، مما يؤدي من جهة إلى تفاقم الأزمات المعيشية، والأمراض النفسية والعصبية،خصوصا لدى الأطفال الذين يرتعبون ويرتهبون من رؤية الدم الذي يُهدر دون أي وجه حق، ومن جهة أخرى يسهم بتصعيد حالة التشديد الأمني اللبناني على اطراف ومداخل المخيمات ،ويشوه أيضاً التاريخ النضالي الناصع لهذه المخيمات والدور الذي قامت به في الدفاع عن لبنان ارضا وشعبا، ويوفر لبعض الحاقدين والمتأمرين مبررات الضغط على الفلسطينين في لبنان ،ووصم مخيماتهم بالجزر الأمنية الخارجة عن القانون والتي تهدد الإستقرار والسلم الأهلي والعيش المشترك بين اللبنانيين كما يدعون.
والغريب العجيب ... أن هذا المشهد يتكرروعلى مرأى ومسمع كافة القوى الوطنية والديمقراطية والإسلامية الفلسطينية،التي تتبارى في أيام الراحة والإستقرار، على اطلاق الشعارات والخطابات الرنانة التي تدعي فيها الحرص على مصالح الجماهير، وفي الأيام العصيبة التي تشهدها المخيمات جراء هذه الأحداث،تنقسم هذه القوى بين متفرج وعاجزا وآخر متمنع عن المساهمة الجدية في إتخاذ الإجراءات الضرورية واللازمة، للخروج من هذه الحالة المؤلمة ،لحسابات ذاتية فئوية ضيقة ،فيكتفي الجميع بالتهدئة والعمل على عدم توسيع رقعة الأحداث بالجهود المباركة للجان المتابعة الأمنية ،واللجان الشعبية التي لا حول لها ولا قوة،ولا شك بإن هذا الإجراء لحظة وقوع الحدث مهم وضروري، ولكنه بغياب آلية العلاج الجذري، يبقى ناقصا،ويتحول تكراره إلى محفز لكل العابثين الخارجين عن القانون والأخلاق الوطنية والإنسانية للشعب الفلسطيني، للتمادي بهذه الأفعال المشينة.
والمؤسف أيضا، غياب عنصر التوازن والضغط عن مسرح الأحداث والذي يتمثل عادة بفئة المثقفين والمتنورين والفعاليات الوطنية والدينية والشعبية،التي من شأنها لو تحركت وتفعلت أن تدفع بجميع القوى والأحزاب والتيارات، للتعاون والتنسيق لإيجاد الحلول المناسبة للعديد من القضايا المعقدة التي يعاني منها سكان المخيمات،إلى جانب ما يمكن أن تقدمه من اسهامات لتقريب المسافات بين كافة القوى المتباينة على صيغة العمل المشترك للخروج من هذه الأزمات التي تعترض معيشة وحياة الجماهير الفلسطينية في مخيمات لبنان، هذا على افتراض أن النوايا في إعلاء مصالح الجماهير على المصالح الفئوية الضيقة الفصائلية لدى كافة القوى والفصائل الوطنية والإسلامية متوفرة.
فبالرغم من هذا الواقع المحبط والمشُوه ،فإن الوقت لا يزال بمتناول الأيدي في امكانية الوصول الى إتفاق وصيغة عمل موحدة على أساس مبدأ الشراكة الحقيقية بين كافة اطياف العمل الوطني الفلسطيني، تؤمن لسكان المخيمات الإستقرار، بما يخفف عنها ثقل الهموم الحياتية، ويمكنها من الصمود والإستمرار بالعطاء، بالتكامل مع جماهير الشعب الفلسطيني في داخل الوطن،لتحقيق ألأهداف والوطنية وفي مقدمتها ،حلم العودة إلى فلسطين أرض الأباء والأجداد.
وباعتقادي أن اية صيغة لا تؤدي إلى التوافق بالإجماع على تعزيز دور مؤسسة الكفاح المسلح الفلسطيني أو تشكيل قوة امنية متفق عليها وبمشاركة فاعلة لكافة الفصائل والقوى الوطنية والإسلامية، دون استثناء، تأخذ على عاتقها ردع العابثين بأمن المواطنين وبمصالحهم،وتبذل اقصى ما بوسعها لضبط وتقليص ظاهرة إنتشار السلاح غير الضرورية في شوارع وأزقة المخيمات، والتي باتت تشكل حالة استفزاز أمنية ونفسية لا تطاق ،لن يكتب لها النجاح ولن تنال ثقة واحترام والتزام الجماهير بسلطتها وعملها، ولن تستطيع أن تكون المرجعية الأمنية التي يمكن أن يلجأ لها المواطن الفلسطيني في هذه المخيمات في حال تعرضه لأي ضرر أو اعتداء،محلي.
وفي الختام اقول أن أحداث نهر البارد والمصير الذي وصل اليه يجب أن تشكل لنا درسا يحفزنا للقيام بواجباتنا،قبل فوات الأوان.