برنامج دراسات التنمية- جامعة بيرزيت
قطاع غزة
التحديات الناجمة عن تأجيل موعد الانتخابات الفلسطينية:
قراءة تحليلية
تيسير محيسن
يناير 2010
التحدي الرئيس الناجم عن تأجيل الانتخابات على النحو الذي تم، يكمن في الطريقة التي يتعاطى بها الفلسطينيون مع واحدة من أهم الضرورات الوطنية والديمقراطية في مسيرتهم الكفاحية من أجل التحرر وبناء الكيانية وتأكيد الجدارة.
1- طريقة التعاطي مع الانتخابات (انعقادها أو تأجيلها) ينم عن قصر نظر أو عن تواطؤ وفي حسن الأحوال عن عدم فهم مدى الحاجة لها بوصفها ضرورة وطنية وديمقراطية وفي أسوأ الأحوال تدل على الخضوع لأجندات وحسابات غير وطنية وغير ديمقراطية
2- أما لماذا تعتبر الانتخابات في الحالة الفلسطينية ضرورة وطنية وديمقراطية، فالأمر عائد إلى جوهر التحدي الذي يواجهه الفلسطينيون منذ مطلع القرن العشرين. صحيح أنه لا يمكن إنكار حقيقة وجود شعب فلسطيني حتى بموجب القانون الدولي الذي أقر بموجب هذه الحقيقة سلسلة من الحقوق الوطنية، غير أنه بالمقابل، يجب الإقرار بأن عملية التشكل لم تكتمل وتواجه تحديات وعراقيل من ثلاثة مصادر:
ü الاحتلال ذي الطبيعة الاستيطانية والإحلالية، ليس كمغتصب للأرض فحسب بل وكنافي للسيادة وتعبيراتها السياسية والقانونية والمؤسساتية. وفي هذا الصدد، تعتبر الانتخابات على كل المستويات أداة إثبات الجدارة والأهلية الوطنية وشكل من أشكال ممارسة السيادة وطريقة لدحض مزاعم الاحتلال والحركة الصهيونية عموماً
ü الطبيعة التقليدية لمجتمع مجهض الحداثة من ناحية ومعرض طول الوقت للتفكيك والتذويب مما يدفع نحو الاستقواء بالولاءات العضوية على حساب الولاء الوطني وتعزيز مفهوم المواطنة. الانتخابات بوصفها أهم أدوات الديمقراطية، تعزز مفهوم حرية الاختيار والقدرة على تمثيل الآخرين وتشكيل مجتمع سياسي
ü الانقسام الراهن بوصفه نافي للإجماع. الانتخابات أداة بناء إجماع ينظم التنوع ويمنع تحويل الصراع والتنافس السياسي إلى جبهة عداء مستحكم بين الفاعلين السياسيين
وبقدر ما يتعلق الأمر بالوضع في الضفة الغربية وقطاع غزة، فإنه ومنذ لحظة احتلالهما عام 1967 راحت تعبيرات الوطنية الفلسطينية تتبلور بالمعنى الاجتماعي والسياسي في إطار تشكيلة اجتماعية اقتصادية وشبه نظام سياسي (إرهاصات مجتمع سياسي). وفي هذا السياق شكلت الانتخابات بكل أنواعها تحدياً انطوى دوماً على أبعاد وطنية وديمقراطية ومجتمعية، من حيث:
1- الوظيفة الديمقراطية التمثيلية: التعبير عن إرادة الناس، اختيار الممثلين القادرين، المشاركة والمحاسبة
2- الوظيفة الوطنية السياسية: تعبئة الموارد، إعادة النظر في البرامج والمواقف، اختبار الجدارة، بناء الإجماع
استناداً لما سبق، يمكن الحديث عن مجموعة من التحديات المنبثقة من التحدي الرئيس على النحو التالي:
التحدي الأول: يتعلق بمبررات التأجيل التي سيقت من كل الأطراف التي تواطأت على التأجيل دون أن تتفق على مسوغاته ومواجهة تداعياته. الانتخابات هي من بين أهم الأدوات الديمقراطية في بناء الإجماع وإدارة التعدد والخلاف. ببساطة شديدة يمكن القول أن الانتخابات لن تعقد في موعدها، ليس لأن الاحتلال يمنع إجراءها، بل لأن الأطراف المقررة لا ترى مصلحة لها في إجراءها (وجه الخديعة). النتيجة المنطقية تكريس الأمر الواقع هنا وهناك (بقاء الانقسام، إلا إذا جرى توليد ديناميات توحيدية أخرى: الاتفاق على موعد جديد لانعقادها، تشكيل مجلس انتقالي تأسيسي، تشكيل قيادة وطنية موحدة، الاتفاق على مرجعية منظمة التحرير وتأكيد ولايتها هنا وهناك)
التحدي الثاني: الخشية من اللجوء إلى وسائل أخرى، غير الانتخابات، لحل الخلافات السياسية والتباينات العقدية المرتبطة بالثوابت والخيارات الكبرى للجماعة (وسيلة لتعديل قواعد النظام وأسسه وطريقة توزيع السلطة والخيرات العامة).
التحدي الثالث: انعدام إمكانية المساءلة والمراقبة ومأسسة القرار الوطني (أحد المآخذ على المنظمة مثلاً فقدانها القاعدة المجتمعية للمساءلة والمحاسبة)
التحدي الرابع: خسارة أداة رئيسة للتعبير عن رغبات الشعب والمؤشر الرئيس على ما يطمح إلى تحقيقه. ما يسهل عمليات تزييف إرادة الناس (الإدعاء بالتمثيل: ضرب عمليات التسييس الاجتماعي والتوسط)
التحدي الخامس: بروز نوعين من السياسة (إما سياسة زائفة أو سياسة بوليسية أو كلتيهما معاً)
التحدي السادس: البحث عن مصادر أخرى للشرعية (الاستقواء بالسلاح مثلاً، الإفراط والمبالغة في موضوع المقاومة، الاستزلام وسياسة المحاسيب،...) وهو ما يعني المساهمة في تعزيز الانشطارات وضرب عمليات بناء الإجماع
التحدي السابع: انعدام البيئة المشجعة على تعزز الممارسات الديمقراطية (تقلص مساحات الفعل المدني الديمقراطي: إنعاش المشاركة السياسية، وإقامة المجتمع المدني الفعال)
التحدي الثامن: فشل التحول والانتقال في النظام السياسي. من المعروف، أن النظام السياسي المتشكل في إطار منظمة التحرير الفلسطينية قام على الشرعية الثورية والمحاصصة الفصائلية (1968-1993)، بينما احتلت حركة "فتح" موقع القيادة المهيمنة فيه. مع نشأة السلطة الفلسطينية (1994)، توفرت فرصة كبيرة وجدية لإعادة بناء نظام سياسي على الأرض الفلسطينية وبتفاعل وثيق مع المجتمع الفلسطيني. أُجهضت هذه الفرصة بسبب النخبة السياسية المهيمنة وطبيعتها الطبقية والفكرية، حيث عملت على إعادة إنتاج النظام السابق وفقاً لصيغ مستجدة، محافظة في نفس الوقت على تفردها واحتكارها الموارد والقرارات. في أعقاب اندلاع الانتفاضة الثانية تعمقت مظاهر الفساد وشاعت حالات من الفوضى والفلتان وخيمت على أجواء العلاقات الفصائلية مظاهر الاستقطاب الثنائي الحاد، وهو ما أبرز الحاجة إلى إعادة بناء نظام سياسي يقوم على مصادر أخرى للشرعية، ويعتمد الشراكة السياسية الحقيقية بديلاً للمحاصصة الفصائلية، ويكرس عمليات المساءلة والمراقبة ومأسسة القرار الوطني. فشلت الانتخابات التشريعية 2006 في تشكيل رافعة للإصلاح الشامل ومدخلاً لإعادة بناء النظام، وكشفت نتائجها، وما أعقبها من أحداث، عن وجوه أخرى لأزمة النظام والمجتمع. وتأجيل الانتخابات وبقاء حالة الانقسام هو وصفة لتعميق هذه الأزمات.
التحدي التاسع: أثبت الفلسطينيون إمكانية التعايش بين الديمقراطية والاحتلال، فقط من منظور وطني تحرري (انتخابات البلديات 1976 على سبيل المثال) ودائماً بضمان وحدة إرادة الفلسطينين. وإذا كانت التجربة بينت أن إجراء الانتخابات في ظل الاحتلال وفي غياب الحد الأدنى من الإجماع الوطني (حول الأسس والمرجعيات والإستراتيجيات الكبرى)، وصفة مؤكدة للتدمير الذاتي وتقويض القدرات، فإن استمرار الاحتلال وتعميق الانقسام وتأجيل الانتخابات بمثابة دعوة مفتوحة للتيه وإعادة إنتاج الوضع المأزوم وإدامته أطول فترة ممكنة (الغلبة ستكون لممارسات الاحتلال النافية للديمقراطية وللتنمية وللسيادة وصولاً إلى الوجود ذاته)
التحدي العاشر: تعميق تداعيات عدم استقرار المنظومة السياسية الناجم عن نسف شرعيتها، من حيث:
(1) تضرر القدرة على تبيان التحديات الموجهة لها
(2) ذبول الإجماع حول القواعد الحاكمة للمنافسة السياسية
(3) خرق القواعد القانونية التي تحكم العلاقات بين السلطات العامة
(4) بروز أزمة الهوية (تعزيز الخلاف حول إقامة منظومة قيم ورموز مشتركة)
(5) بروز أزمة الشرعية (الخلاف حول موضوع المبادئ والقواعد المؤِّسسة للمنظومة السياسية)
التحدي الحادي عشر: بالطبع ثمة قوى لا ترغب في انعقاد الانتخابات وهي ستحاول تعطيلها سواء في موعدها الدستوري أو حتى في موعدها المؤجل. إذا كانت الانتخابات تشترط الإجماع الوطني، فإنها لا تشترط بالضرورة المصالحة بين المتخاصمين السياسيين، ولربما يجعل الربط بين المصالحة والانتخابات هذه القوى تلجأ لتعطيل المصالحة لأنها لا تريد انعقاد الانتخابات.
الخلاصة:
1- صحيح أن من شأن تأجيل الانتخابات على النحو الذي ذكرناه أن يلحق أفدح الضرر بالمسألتين الوطنية والديمقراطية، غير بمقدورنا التصرف ووضع تدابير انتقالية تحفظ وحدة النظام وهو يعبر إلى طور جديد وتسهم في استعادة ديناميات بناء الإجماع بعد أن شهدت تراجعات وتشققات
2- إن انعقاد الانتخابات في أوقات محددة وبصورة دورية هي مسألة دستورية لا يجوز العبث بها إلا بإجماع الكل الوطني ولاعتبارات وطنية كبرى وليس لمجرد رغبة هذا الطرف أو ذاك
3- العلاقة بين الانتخابات والوفاق (المصالحة) علاقة جدلية وليست اشتراطية. في الحالة الناشئة يمكن للانتخابات أن تسهم في تعزيز الوفاق والمصالحة، شرط التوافق فقط على الأسس والضوابط العامة وتأجيل البحث في القضايا الخلافية التي هي محل ولاية المجلسين المنتخبين، الوطني والتشريعي (الحالة اللبنانية أكثر تعقيداً، ومع ذلك جرت الانتخابات، وانتقل الخلاف بين المتخاصمين من خارج النظام وعليه إلى داخل النظام، الخلاف حول الحكومة أو المقاومة مثلاً لم يعطل تحقيق إرادة الناخب اللبناني في الاختيار الحر والنزيه)
4- إذا كان الفلسطينيون لم يلتزموا بعقد الانتخابات في موعدها الدستوري، فمن غير المؤكد التزامهم بموعدها المؤجل (الذي لم يحدد بعد)
5- كأن هناك من أراد تفريغ عملية الانسحاب من غزة مما انطوت عليه من فكرة التحرر وتفريغ العملية الانتخابية من مضمونها الديمقراطي وصولاً إلى الإجهاز على الفكرة الأولى ومسوغاتها وممكناتها وتبديد شطارة الفلسطينين وجدارتهم لدرجة تأجيل الانتخابات وربما إلغاءها دون مسوغ أو مبرر حقيقي